استراتيجيات التعلم ماهيتها وتفسيرها
إن اجتماع الكم الهائل من المعلومات التي لا يستطيع أن يلم بها الإنسان مهما بلغت قدراته العقلية، أدى إلى تزايد حجم المعلومات في الكتب والمناهج الدراسية لتواكب هذا التفجر المعرفي. لذا وجب الاهتمام بكل فرع من فروع المعرفة عن طريق تزويد الطلبة بالمعلومات المعرفية لكل فرع من هذه الفروع.
وقد أخذ المهتمون بالتربية ينظرون إلى أن الجزء الأكبر من عملية التعلم تقع على عاتق المتعلم. فوجب على المدرس أن يزود طلبته بالمهارات الأساسية للوصول إلى المعرفة بأنفسهم، ومن ثم معالجتها وتنظيمها بشكل يمكنهم من فهمها والاحتفاظ بها واسترجاعها بسهولة.
ولا نستطيع أن ننكر أهمية المذاكرة أو الاستذكار وما تلعبه في تحقيق عملية التعلم وبالنتيجة التفوق في التحصيل الدراسي. حيث دلت البحوث إلى أن كثير من الطلبة لا يرجع فشلهم في الدراسة إلى ضعف في قدراتهم العقلية أو نقص في ذكائهم، وإنما يرجع إلى جهلهم بوسائل الاستذكار الصحيحة، وإلى اكتساب هؤلاء الطلبة الكثير من أساليب الاستذكار الخاطئة.
توصلت بعض الدراسات المسحية - ومن بينها دراسة يوسف 1979، وجابر 1980 - إلى أن السبب الذي يكمن وراء بذل الطلبة الكثير من الجهود في المذاكرة وحصولهم على تقديرات منخفضة هو الأساليب غير السليمة في المذاكرة، وعُدت هذه المشكلة من المشكلات الكبيرة التي يعاني منها الطلبة.
مفهوم التعلم واستراتيجياته
إن التعلم بمعناه الصحيح نشاط فعال يستهدف تربية الفرد وتنمية قدراته، ليكون فرداً قادراً على أن يتفاعل بإيجابية مع المؤثرات البيئية المختلفة الطبيعية والاجتماعية، وصولاً إلى حالة التكيف، وبذلك يشعر بقدرته ومسؤوليته في التأثير على نحو يؤدي إلى التطور.
ويذكر Kanfer أن الطالب نفسه قادر على توجيه حياته وتصحيح سلوكه واختيار الأفضل لحالته وقدراته. فقد ركزت النظريات على تجديد الاعتقاد بقدرة الطالب على تصحيح سلوكه، خاصة إذا توافرت له عدد من الوسائل والآليات العلمية والعملية التي تساعد على المبادرة في التعبير وإحداث التعديل المرغوب فيه.
ويؤكد علماء النفس المعرفيون أن الطالب إذا كان قادراً في الأحوال الاعتيادية على تعلم المهارات والخبرات الحياتية المتنوعة، كان قادراً أيضاً على مراقبة نفسه وتصرفاته، ومقارنة سلوكه على أساس معايير أنموذجية يوافق عليها ويقتنع بفائدتها. إذ يوجهها ذاتياً خلال التعزيز الإيجابي أو السلبي لنفسه على السلوك المطلوب. حيث يذكر Perkins & Salman أنه لم يعد هناك عذر لجعل المعرفة تنكدس في برك معزولة في داخل عقول الآخرين.
فالتدريس نشاط تواصلي يستهدف إثارة التعلم لدى الطالب وتسهيل مهمة تحقيقه. فالتعلم مهارة عقلية يمكن تنميتها كشأن القدرات الأخرى. والتعلم الجيد هو الذي يستهدف تنمية قدرة الفرد على اكتساب الخبرات واستخلاص الحقائق بنفسه، ولا يقتصر على حشد المعلومات والحقائق في ذهن الفرد، لأن المعلومات مهما بلغت صحتها مصيرها إما النسيان أو الزوال.
لذا يحتاج الطلبة إلى الإرشاد والتوجيه من المعلم لاكتساب مهارات استراتيجيات التعلم والاستذكار. لأن امتلاك الطلبة لهذه المهارات يسهل عملية التعلم والاستذكار. فالمعلومات التي يكتسبها الطلبة خلال دراستهم سيطرأ عليها تغير كبير في السنوات اللاحقة نظراً للتطور الكبير والسريع في ميادين المعرفة.
وإن تعلم استذكار مادة دراسية معينة بالطرائق الصحيحة للاستذكار قد ينتقل أثره مرة أخرى إلى مادة أخرى. وتعلم استعمال الأسلوب العلمي في المدرسة قد يدعو الفرد إلى استخدامه لكل ما يلقاه من مشكلات خارج المدرسة.
تعريفات استراتيجيات التعلم والاستذكار
عرفها العديد من العلماء والباحثين، ومن أبرز هذه التعريفات:
- كانيه (Gagne, 1977): مجموعة العمليات الذهنية الداخلية للسيطرة والمراقبة وضبط الوعي في أثناء التنفيذ.
- شميك (Schmeck, 1983): نمط من نشاطات معالجة المعلومات يستخدم من أجل التحضير لاختبار متوقع للذاكرة.
- حمدان (1985): هي خطة إجرائية تتميز بتكامل مكوناتها من المبادئ والأنشطة والعوامل التربوية، ويقوم بها نوع محدد من التلاميذ لتحقيق نوع محدد من التعلم.
- ونشتين (Weinstein, 1988): أي أساليب أو طرق تسهل على الطالب اكتساب المعلومات وتحصيلها وتنظيمها، وتساعد على تكامل المعرفة واسترجاعها بكل يسر وسهولة.
- دروزة (1995): إنها العملية الذهنية العقلية التي توظفها ذاكرة المتعلم بغية الفهم والاستيعاب. من هذه العمليات: التفسير، والتحليل، والتلخيص، وإدراك العلاقة، وعقد المقارنة، والتقويم، والتركيز وغيرها.
وتعتبر الاستراتيجيات العقلية اللازمة والمناسبة للتعلم الجديد شرطاً مهماً من شروط تحقيق الأهداف السلوكية. فالطالب يقوم بمجهوده الخاص بدراسة وتذكر الحقائق والمعلومات والمبادئ. وإن الكم الكبير من المعلومات التي تتوزع في ثنايا الكتب المدرسية على الطالب تعلمها وتذكرها، معتمداً في ذلك على ذكائه وعلى الاستراتيجيات التي يستخدمها أثناء دراسته.
وقد توصلت دراسة الطرف 1992 إلى أهمية استراتيجيات التعلم التي يستخدمها الطلبة، حيث توصلت إلى أن أنفع استراتيجية يستعملها الطالب هي المخططات والرسوم. وأفضل مكان للمذاكرة هو المكان الهادئ، وأفضل وقت للمذاكرة هو قبل موعد الامتحانات. وقد أثبتت دراسة قام بها كل من صادق وخواطر 1982، أن استراتيجيات التعلم والاستذكار تبدأ بالثبات والاستقرار منذ دخول المدرسة الثانوية.
وقد أثبتت دراسة دروزة 1995 على ضرورة حث الطلبة على تنشيط استراتيجيتهم الفوق معرفية، لأن هذا يؤدي إلى الفهم العام والتركيز على الأفكار الرئيسية والجوهرية والابتعاد عن المعلومات الجزئية المحدودة.
كما توصلت بعض الدراسات - مثل دراسة جابر، ودراسة سليمان، ودراسة قطيم - إلى عدم وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين الذكور والإناث في استراتيجيات التعلم والاستذكار. بينما تشير دراسة Robert ودراسة Rendon ودراسة سليم إلى وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين الذكور والإناث في استراتيجيات التعلم والاستذكار.
الاتجاه المعرفي في تفسير استراتيجيات التعلم والاستذكار
إن كلمة استراتيجية مشتقة من كلمة إغريقية قديمة هي (Stratagus)، وهي مأخوذة من كلمتين هما: (Stratos) ومعناها الجيش، و(Ago) ومعناه القيادة. ويمكن القول إن هناك معنيين عامين للاستراتيجية:
- المعنى الأول: يُنظر للاستراتيجية على أنها فن استعمال الإمكانات والوسائل المتاحة بطريقة مثلى لتحقيق الأهداف المرجوة على أفضل وجه ممكن.
- المعنى الثاني: يُنظر للاستراتيجية على أنها خطة محكمة البناء ومرنة التطبيق تستعمل من خلالها الإمكانات والوسائل المتاحة بطريقة مثلى لتحقيق الأهداف المرجوة.
وقد استخدمت كلمة استراتيجية في مجال التربية عند القيام بالتخطيط لبناء كل ركائز العملية التربوية، ابتداءً من إعداد المدرسين والمناهج والوسائل التعليمية وطرائق التدريس وبناء المدارس.
الذاكرة وعمليات معالجة المعلومات
تُعد الذاكرة من أبرز مكونات النظام المعرفي، حيث تعتبر سجل الخبرات السابقة بوعي أو بدون وعي. ويرى علماء النفس المعرفيون أن عملية التذكر هي سلسلة من المعالجات والنشاطات التي يواجهها الفرد من أجل استرجاع المعلومات والخبرات، ويمكن ذلك من خلال عملية الترميز أو التشفير التي يجريها الفرد.
ويعتقد علماء النفس أن هناك ثلاث عمليات ضرورية لكل أجهزة الذاكرة وهي: وضع الشفرة (الترميز)، وتخزين المعلومات، واستعادة (استرجاع) المعلومات. ويتم خزن المعلومات واسترجاعها عن طريق نوعين من الذاكرة:
- الذاكرة قصيرة المدى: لها وظيفتان: الأولى تخزين المعلومات المراد تعلمها لفترة مؤقتة، وثانياً تحويل هذه المعلومات إلى الذاكرة طويلة المدى واسترجاعها عند الحاجة.
- الذاكرة طويلة المدى: تمثل المخزون الدائم للمعلومات. فالشيء المطلوب ذكره لفترة طويلة يجب نقله إلى الذاكرة طويلة المدى، وهي ذاكرة غير محدودة السعة وقادرة على الاحتفاظ بكميات متنوعة وغير محدودة من المعلومات.
ويتطلب إدخال المعلومات في الذاكرة طويلة المدى أن نقرأ لنفهم المعنى، وأن نستعمل أسلوب التعامل العميق مع المادة. وهذا يتطلب ربطاً واعياً بالخبرات السابقة والأفكار والصور والمعلومات، ولا يمكن القيام بكل هذه الأنشطة دون انتباه.
وقد فسر Broadbent عملية الانتباه بفرض وجود وحدات تخزين وسيطة للحواس، تقوم فيها هذه الوحدات بتخزين ما نحس به لفترة قصيرة، بحيث يتم اختيار محتويات إحدى هذه الوحدات للمعالجة في الذاكرة قصيرة المدى، ويتم بعد عملية الاختيار تلاشي محتويات الوحدة الأخرى. فيما أضاف Treisman أهمية عنصر المعنى بالنسبة للمتعلم في عملية الاختيار. ومن الجدير بالذكر أن زمن الاحتفاظ بمعلومات في كل من هذه الوحدات لا يتعدى ثانيتين.
افتراضات النموذج المعرفي وآراء العلماء
يفترض نموذج معالجة المعلومات أن الإدراك والتعلم يمكن تحليلهما إلى سلسلة من المراحل، تؤدي فيها مكونات أو ميكانزمات معينة عمليات خاصة من تحويل المعلومات وإعادة ترميزها. وتقدم هذه النظرية افتراضين هما:
- يُنظر إلى التعلم على أنه عملية نشيطة يقوم المتعلم خلالها بالبحث عن المعرفة ويستخلص منها ما يراه مناسباً.
- أن المعرفة السابقة والمهارات المعرفية تؤثر في عملية التعلم.
وقد قام كانيه (Gagne) بتصنيف التعلم إلى خمسة مجالات:
- الاستراتيجيات المعرفية: تشير إلى الأساليب التي تحكم نشاط الإنسان وتحدد له كيف يقوم بعمليات الانتباه والتنظيم والتذكر.
- المعلومات اللفظية: هي المعارف المرتبطة بالإجابة عن السؤال، وفيها يقوم المتعلم بالإجابة بشكل لفظي كلامي بناءً على ما قد تعلمه مسبقاً.
- المهارات الذهنية: تعني قدرة المتعلم على اتباع القواعد ومراعاتها، وليس القدرة على الاشتقاق والبناء لأنهما معلومات لفظية.
- الاتجاهات: يرى كانيه أن الاتجاه حالة داخلية تؤثر في اختيار الشخص لفعل معين تجاه موضوع أو شخص أو حدث ما.
- المهارات الحركية: هي النشاطات التي تتطلب تتابعاً دقيقاً ومحكماً للحركات العقلية، وتعتمد على التعزيز والملاحظة والتدريب.
في حين افترض أوزبل (Ausubel) في نظريته للتعلم بوجود ترتيب هرمي للمعرفة، إذ تقع الأفكار الأكثر شمولية في قمة الهرم والتي تسيطر على العناصر الأخرى. فالافكار المركبة تقع في القمة بينما الحقائق والمفاهيم في قاعدة الهرم. ويرى أوزبل أن لتعلم المفاهيم الأساسية بشكل جيد يعتبر ركيزة أساسية أو قاعدة للمعلومات الجديدة، حيث يؤدي التعليم المسبق إلى تسهيل استقبال المعلومات الجديدة إذا كانت مستقرة ومنظمة بشكل جيد.
ويعتبر أوزبل أن التعلم يعني ربط المادة المعلوماتية (الحقائق، الأفكار، المفاهيم الجديدة) بالمادة المعلوماتية المسبقة المخزونة في البنى المعرفية للمتعلم (التركيب المعرفي). ويقصد بالتركيب المعرفي عملية تنظيم الفرد واستقراره ومدى إيضاح المعرفة في موضوع معين.
ويذكر أبو حطب أنه يتم ربط المادة الجديدة بالمادة المعرفية للمتعلم بواسطة بعدين رئيسين هما: التعلم بالاستقبال، والتعلم بالاكتشاف. ويرتبط كلا البعدين بأسلوبين لإدخال المعلومات للتركيب المعرفي، هما: المعنى والحفظ، حيث يقوم التركيب المعرفي بتسهيل عملية التعلم والاستذكار.
الخلاصة: إن فهم استراتيجيات التعلم والاستذكار في ضوء النموذج المعرفي ومعالجة المعلومات يوضح لنا أن التعلم ليس مجرد حشد للمعلومات، بل هو عملية نشطة تتطلب معالجة عميقة وربطاً بالخبرات السابقة. ومن هنا تبرز أهمية دور المعلم في توجيه الطلاب لاكتساب هذه الاستراتيجيات منذ المراحل الدراسية المبكرة، لضمان تعلم ذي معنى يستمر مدى الحياة. يمكنك الاطلاع على المزيد من المقالات التربوية وطرق واستراتيجيات التدريس لتعزيز معرفتك في هذا المجال.
التعليقات
إضافة تعليق